مجالس البرامكة في السودان : سمر في حضرة الشاي المقدس

مغربي

::مؤسس الموقع ::
طاقم الإدارة
3 مايو 2012
10,210
302
83
يعرف عن غالب أهل السودان ولعهم بتناول الشاي ، لكن قسم كبير من قبائله لا يقفون عند حد الولع بل يقدسون هذا المشروب وهم يقيمون منذ مئات السنين مجالس لشربه بطقوس فريدة تعرف بـ مجالس البرامكة .

14247874881.jpg


فـ مجالس البرامكة سمة من سمات قبائل البقارة الرعوية بإقليم دارفور غربي البلاد والتي تعقد جلسات خصيصا لتناول الشاي في أجواء احتفائية مصحوبة بالغناء والتباري بالأشعار التي يمجد غالبها الشاي .

وتتسم هذه المجالس بتقاليد وقوانيين صارمة القاسم المشترك بينها هو تمجيد الشاي ولا يحق لأي عضو من أعضاء المجلس تجاوزها بأي حال من الأحوال وفي حال فعل يحاكم وفقا لنظام قضائي شعبي تصل عقوباته حد نبذ المجتمع له.

14247874892.jpg


ولـ مجلس البرامكة هيكل إداري يحدد وظيفة أي من أعضاء المجلس ابتداء بهوية من يشعل النار لغلي الشاي ومن يصبه ومن يوزعه ومن يراقب مخالفات الأعضاء لتقاليد وقوانين المجلس في حال حدوثها ومن يحكم في هذه المخالفات.

ويحق لأي شخص الانضمام لـ مجلس البرامكة رجلا كان أو إمرأة صغيرا في السن أو كبيرا، فقط عليه الالتزام بقوانين المجلس ومن بينها ارتداء زي موحد.

14247874893.jpg


فالرجال عليهم ارتداء الجلباب الأبيض والنساء عليهن ارتداء التوب وهو عبارة عن قطعة قماشية تلف بها المرأة جسدها من رأسها وحتى أسفل قدميها ولا يظهر منها سوى وجهها ويعتبر الزي الشائع وسط نساء السودان.

وتتكون الوظائف الإدارية العليا بالترتيب من الشيخ، العمدة، الناظر، البيه والسيد ولكل منهم سلطة محددة وصولا لصاحب السلطة الأعلى وهو السكرتير.

ولا تقتصر الوظائف العليا على الرجال فقط فللنساء أيضا وظائف قيادية في مجلس البرامكة تبدأ بالشيخة ثم الملكة ثم أعلى سلطة نسوية هي ملكة الملكات.

والمفارقة في مجلس البرامكة أن النساء لا يشاركن مطلقا في إعداد الشاي أو تقديمه ويتولين فقط ترديد الأغاني الشعبية.

14247874905.jpg


ولمجلس البرامكة الذي يلتئم عادة في المساء ثلاث حالات لانعقاده الأولى تسمى الانبساطة أي للسمر والثانية هي المساعي الحميدة وهذه تهدف لجمع المساهمات لمن لحق به ضرر من الأعضاء والثالثة تسمى المحكمة وهذه لمحاسبة المخالفين لقوانيين المجلس.

وضمن هيكلة المجلس خزينة يديرها شخص معين تجمع لديه مساهمات الأعضاء التي تكون حسب قدرة الواحد منهم للصرف على نفقات المجلس علاوة على الغرامات التي تفرضها المحكمة والأموال التي تجمع لمساعدة المتضررين.

ويلتئم المجلس في مكان متفق عليه بين الأعضاء لكن لا توجد مدة محددة حيث يمكن أن تزيد مدة انعقاده على 4 ساعات كما يقول آدم الدود وهو سكرتير لأحد مجالس البرامكة.

14247874916.jpg


ويضيف الدود أنه لا يقدم في المجلس أي مشروب خلاف الشاي حيث يمنع العضو من وضع الكوب على الأرض قبل ارتشاف الشاي بالكامل كما يمنع كذلك ترك ولو قدر يسير منه في الكوب باعتبار ذلك تقليل من قيمة الشاي .

ومن المخالفات أيضا القيام بأي حركة تشتت انتباه المغنيين أو من يتبارون بالشعر أو دخول المجلس والانصراف عنه دون إذن من "الضابط" وهو الشخص الذي يراقب التزام الأعضاء بالقوانين.

ويمنع كذلك على أعضاء المجلس شرب الخمر إطلاقا ولا يحق لهم تدخين التبغ أثناء الاجتماع الذي يرفع لأداء الصلوات لو حل ميقاتها ويستأنف مرة أخرى.

وعادة ما تكون العقوبة غرامة مالية يدفعها الشخص المخالف وفقا لما قاله مختار عبد الجليل وهو قاضي في محكمة لإحدى مجالس البرامكة .

14247874904.jpg


ويشير عبد الجليل في حديثه إلى أنه إذا لم يلتزم الشخص المخالف بدفع الغرامة يقدم إلى محكمة موسعة تضم كل أعضاء المجلس وفي حال رفض مجددا يصدر حكم بنبذه ويمنع جميع الأعضاء من أهل المنطقة من التعامل معه حتى ولو كان أشقائه أو زوجته .

واستطرد : الناس يلتزمون بهذا الحكم وبالتالي يجد المخالف نفسه منبوذا من مجتمعه ويضطر للإذعان للحكم الصادر بحقه".

ولا يعرف تاريخ بعينه لانعقاد أول مجلس للبرامكة في السودان لكن أهل هذه المجالس يجمعون على أنه تقليد منشأه اليمن تمدد منها إلى العراق والشام وشمال وغرب أفريقيا ومنها دخل دارفور غربي السودان.

ويفخر أهل هذه المجالس أن الخليفة العباسي، هارون الرشيد، كان له مجلس برامكة ينعقد بطقوس تكاد تكون مطابقة لطقوسهم اليوم.

ولا تقتصر هذه المجالس على دارفور بل يحرص منسوبي القبائل المشتهرة بها على تنظيمها في كل أنحاء البلاد التي هاجروا إليها بما فيها العاصمة الخرطوم.