مدينة بيروت : خزانة تاريخ لبنان و مدينة التسامح و التعايش

مغربي

::مؤسس الموقع ::
طاقم الإدارة

غير متصل
#1
وسط بيروت : بقعة صغيرة لا تتجاوز مساحتها عدة كيلومترات مربعة، تختزن ذكريات اللبنانيين السعيدة والأليمة، وكنوز تاريخهم القديم والحديث، كانت قبل الحرب الأهلية (1975-1990) قلب العاصمة النابض بالحياة وأصبحت خلالها ساحة أساسية للمعارك الطاحنة التي أدت إلى تدمير واسع لمبانيها وتضرر معظم معالمها التاريخية.

المصدر الصحيفة





أما اليوم، وبعد اعادة اعمارها، باتت تعكس بما تحتويه من دور عبادة للأديان السماوية الثلاثة، مساحة تسامح وعيش مشترك في ظل ما تشهده المنطقة من صراعات دينية وطائفية دموية.
وعلى الرغم من التغيير الذي طال التركيبة الاجتماعية لوسط بيروت، والنمط التجاري، ومؤخرا تأثير الأوضاع الاقتصادية والأمنية المتدهورة في البلاد علي المنطقة، لا تزال "وسط بيروت" متنفسا ونموذجا للبنانيين، الذين تكرس انقسامهم مع احتلال المسلحين لها في بداية الحرب الأهلية، واستعادوا وحدتهم عندما أزيلت المتاريس منها.




هنا، غنت السيدة فيروز وسط الدمار في أحد أيام عام 1994 لتبلسم جراح السكان جراء الحرب، فحضروا الأمسية بالألاف، وهنا أيضا استقطب بابا الفاتيكان الراحل جان بول الثاني، حشدا كبيرا من المؤمنين في قداس خلال زيارته لبنان عام 1997، وتكررت التجربة مع البابا السابق، بينيدكت السادس عشر، في سبتمبر/ أيلول 2012.
كما شهدت منطقة وسط بيروت (الوسط التجاري) كل تظاهرات القوى السياسية المتناحرة، المناهضة والمناصرة لسوريا، التي تفجرت بعد اغتيال رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري، وهو الذي كان وراء اعادة اعمار وسط بيروت، في 14 فبراير/ شباط 2005.




وتختلف تسمية وسط بيروت التجاري من قبل اللبنانيين المعروفين بإلمامهم بعدة لغات، فالمنطقة معروفة أيضا باسم الـ"داون تاون (Downtown)" أو "سنتر فيل (Centre Ville)"، كما الـ"سوليدير" نسبة إلى الشركة التي قامت بإعادة إعمار هذه المنطقة الغنية بكنوزً تاريخية فريدة، والمتمثلة ببقايا بيروت العثمانية والمملوكية والصليبية والعباسية والأموية والبيزنطية والرومانية والفارسية والفينيقية والكنعانية.
وشهد وسط بيروت ورشة ضخمة قامت بها شركة "سوليدير" في تسعينيات القرن الماضي، لإعادة ترميم وتجهيز العديد من الفنادق والمكاتب والمحلات التجارية والأماكن السكنية والكنائس والمساجد، فتم الإبقاء على ما أمكن الحفاظ عليه مما هو قديم وأثري، ليظل شاهدا على العصور التي مرت على مدينة بيروت.




وقال الشيخ هشام خليفة، مدير عام الأوقاف الإسلامية في لبنان، أن الوسط التجاري لبيروت "يمثل رسالة محبة وألفة" بين أتباع الديانات السماوية الثلاثة، مشيرا الى أن هذا الواقع، الذي يمكن إسقاطه على العديد من المناطق اللبنانية، كان بارادة وقرار على مدى العهود السابقة التي مرت على لبنان.
وقال الشيخ خليفة أن هذه الارادة "امتدت على مدى أكثر من 400 سنة في لبنان إبان حكم الدولة الإسلامية العثمانية، التي حافظت على هذا التنوع"، معتبرا أن فترة 400 سنة من هذا الحكم كان من الممكن خلالها القضاء على المخالف فكرا ودينيا للسلطة الحاكمة "ولكن هذا ما لم تقم به الدولة العثمانية".




ولفت الى أن المساجد والكنائس الموجودة في وسط بيروت يعود عهدها لمئات السنين، وهي تحمل أيضا أسماء لشخصيات تاريخية كبيرة، مضيفا أن هذا "يؤكد أن الشعب اللبناني بعيدا عن السياسية، هو شعب متقارب ويقبل بعضه بعضا".
ومضى قائلا إن الوسط التجاري لبيروت كان يضم العديد من الأسواق المميزة، والتي خضعت حديثا للترميم "وهذا شيء إيجابي"، إلا أنه أشار الى أن هذا التحديث "كان على حساب الطابع الاجتماعي للأسواق القديمة التي كانت تميز هذا الوسط".




وأوضح خليفة أن هذه الأسواق كانت تتميز بأنها "جامعة للمسلمين والمسيحيين"، وتابع أن "هذه الظاهرة انتهت اليوم وبقيت المساجد والكنائس تدل على هذا التواصل الوطني، إضافة لكنيس يهودي ما زال موجودا في وسط بيروت وهو في مرحلة الترميم وإعادة التأهيل دون اعتراض أحد على هذه الخطوة".
وأضاف أن هذا النموذج الحاضن للأديان، في وسط بيروت، "يدل على أن لبنان والمنطقة لا تستقيم فيها الأمور إلا بهذا التنوع وقبول الآخر بعيدا عن التطرف الفكر والعصبية المذهبية".




واعتبر أن التطوير العمراني الذي لحق بوسط بيروت في ظل المحافظة على الطابع القديم لبعض الأبنية "بمثابة توافق بين الأصالة والتاريخ، والحاضر والتطوير"، لافتا إلى أن هذا التطوير العمراني "كان له جانب سلبي وحيد هو على حساب البشر"، وأوضح "لم يعد يوجد تنوعا بشريا على الأرض (من جميع الفئات اللبنانية) كما كان في السابق".
وأشار خليفة الى ان أسواق "سرسق" والطويلة" و"البازركان" (أسواق قديمة) ما زالت موجودة حتى اليوم، لكن بالأسماء فقط حيث "فقدت الجيرة بين المحال التي كان أصحابها من المسلمين والمسيحيين، وفقدت الاندماج البشري".




وحسب خليفة، كان الوسط التجاري في السابق "نقطة تمركز أهل بيروت الذين كانوا يودون الانتقال الى أي منطقة لبنانية، إذ كان هناك نقطة تجمع للباصات والسيارات الأجرة، إلا أن هذا الحال انتهى اليوم"، ولفت الى أن هذا الأمر "كان يساهم في تعزيز التواصل بين اللبنانيين".
وقال الأستاذ الجامعي نادر سراج، وهو رجل تنحدر عائلته من وسط بيروت، في حديث لـ "الأناضول" إن "الألفة والتعايش واللغة شبه الموحدة كانت من أهم صفات أهالي وسط بيروت التجاري"، ولفت الى أن هذه البقعة الصغيرة "كانت تضم أعراقا وأديانا عديدة دون أي انقسام بين الناس لا طبقيا ولا طائفيا ولا عرقيا".




وأضاف سراج أن الوسط كان يختزل "حركة المدينة.. كنا نرى التعايش الحقيقي، ابن الجبل بشرواله (سروال تقليدي) مع ابن الساحل و ابن المدينة والأجانب.. كان هناك الفة وتعايش ولغة شبه موحدة.. وتنوع سكاني وتعايش لاعراق وفئات اجتماعية وأديان، وكنت تسمع أجراس الكنائس وأذان الجوامع".
وأوضح أن وسط بيروت شهد "انفتاح وتصالح سمح لكل الناس أن يكون لهم موطىء قدم".
ولفت سراج الى أن "ما يبرهن على قوة التعايش الذي كان يميز أهالي بيروت ووسطها التجاري في السابق، طلب أكثر من 400 من مسيحيي أوروبا الذين كانوا يعيشون في بيروت، بناء كنيسة خاصة بهم من والي دمشق العثماني عام 1863".




وأضاف أن "الوالي التركي كان ذكيا، رفض الإخلال بالتوازن الديني الدقيق في وسط بيروت، في ظل وجود 10 مساجد و10 كنائس آنذاك، فوافق على بناء الكنيسة الجديدة خارج سور وسط بيروت، ومازالت موجودة إلى اليوم".
ورفض سراج اتهام الأتراك الذين حكموا لبنان وبيروت بأنهم "لم ينجحوا في إدارتهما"، مشيرا إلى أنهم "كانوا نظاميين وحضاريين وخططوا لبيروت ومدن الشرق وتركوا مآثر مهمة، كما الفرنسيين وغيرهم".
وأوضح أن المساجد والكنائس في الوسط التجاري "لم تكن فقط من أجل العبادة، بل كانت ملجأ للصوفيين والأغراب، ومركزا لبث الأفكار التوحيدية"، مضيفا أن الواقع اليوم مختلف فـ"الحداثة طغت والشرائح الاجتماعية اختلفت والعصرنة أخذت مداها... وروح الأنسنة أفتقدت".




وقال إن الوسط التجاري "يفتقد اليوم للجانب الإنساني، فهو يضم أبنية جميلة وأسواق عصرية وآخر صرعات الموضة، ولكن لا يوجد وحدة اجتماعية أو حيز حضاري يذكر بالماضي"، إلا أنه شدد على ان الوسط سيبقى "يحمل طابع التعايش المشترك".
ومن أهم معالم وسط بيروت، التي يمكن أن يراها كل زائر وسائح، البنى الرومانية والبيزنطية التي هي عبارة عن مجموعة من خمسة أعمدة، تقع بقرب ما كان يعرف بدرج الأربعين، تم العثور عليها وترميمها عام 1963، وقد كانت هذه الأعمدة تعد جزءاً مهما من طريق رومانية رئيسية في المنطقة .
أما الحمامات الرومانية، فلها حضور مميز أيضا، تم اكتشاف بقايا هذه الحمامات عامي 1968-1969 خلف شارع المصارف.




وبخصوص الآثار العثمانية في وسط بيروت، فهي منتشرة في كل زاوية وفي كل طريق من هذا الوسط، شاهدة على فترة تاريخية مهمة في التاريخ البيروتي، فمن أهم ما يشاهده زائر وسط بيروت القشلة العثمانية "السراي الكبير" الذي بني عام 1853 ليكون ثكنة عسكرية للحامية التركية، ثم أصبح في أيام الانتداب الفرنسي مقراً للمفوض السامي إلى أن أصبح مقراً لرئاسة الوزراء في عهد الاستقلال ومازال حتى اليوم مقرا للحكومة اللبنانية.




ويتألف السراي الكبير من 3 طبقات من الجهة الشرقية، وهي الجهة الرئيسية المواجهة لباطن بيروت، في حين تتألف الجهة الشمالية والجنوببية من طبقتين، وقد استخدم في بناء هذا السراي العثماني الحجر الرملي البيروتي المشهور.
ومن معالم الوسط التجاري أيضا، المستشفى العسكري العثماني، الذي أقيم عام 1860م، في مقابل السراي الكبير، ثم تحول منذ عهد الاستقلال وحتى الستينيات إلى قصر للعدل، ويشغله حالياً مجلس الإنماء والإعمار .




أما بـرج السـاعة فهو "شاهد عثماني" بني عام 1897 على مقربة من السراي الكبير، وجرى ترميمه عام 1994، إضافة إلى ساحة النجمة التي تضم مقر مجلس النواب (البرلمان) الذي أشرف على بنائه وتنفيذه منذ عام 1933، وقت الانتداب الفرنسي، مهندس معماري من أصل تركي أرمني، وتضم الساحة العديد من المكاتب والمطاعم وتتوسطها ساعة أثرية كبيرة .
ومن أهم أيقونات وسط بيروت المساجد المحتفظة برونقها التاريخي الذي يعود للعهد العثماني، عدا المسجد العمري الكبير، الذي أطلق عليه في العصر الحديث "العمري" تيمنًا بالخليفة الثاني عمر بن الخطاب وتعاقبت عليه أسماء مختلفة، ففي العهد المملوكي كان اسمه "جامع فتوح الإسلام" نسبة إلى إخراج المماليك الصليبيين من لبنان ومناطق الشام، وفي العهد العثماني كان اسمه "جامع النبي يحيى".




ويضم وسط بيروت مسجدا حديثا واحدا هو مسجد محمد الأمين، وهو مسجد حديث البناء يقع في قلب ساحة الشهداء وسط بيروت، بني على الطراز العثماني بمساحة تبلغ 9778 مترا مربعا، ويتسع لنحو 6250 مصليا.
وليس بعيدا عنه، يقف مبنى "التياترو" الكبير، الذي كان من أفخم مسارح بيروت وبني في أواخر العشرينيات من القرن الماضي، بانتظار دوره لاعادة ترميمه.




لكن يبدو أن اللبنانيين سيفتقدون هذا المعلم الثقافي، الذي غنّى فيه كلٌّ من أم كلثوم (مطربة مصرية راحلة) ومحمد عبد الوهاب(مطرب وملحن مصري راحل) للمرة الأولى في بيروت واستضاف مسرحيات عالمية وعربية خاصة من عميد المسرح العربي يوسف وهبي (ممثل مصري راحل)، فهناك من يقول اليوم إنه سيتحول إلى مشروع فندق تجاري.
الأحوال تتبدل، خاصة بعد حروب أهلية دموية، و"لا يمكن أن نعيد الماضي كما كان"، بحسب سراج.




لكنه ختم بالقول "إنه (اليوم) وسط ساحر وجميل وما زال يملك الطابع الكوزموبوليتاني (أممي أو عالمي) والتعايش والمساحة الروحية والايمانية والقتصادية والاجتماعية".
وتبقى أفضل طريقة للاستمتاع بمشاهدة وسط بيروت التاريخي، أن تسير على قدميك في شوارعه وبين أبنيته القديمة الأثرية المفعمة بعبق التاريخ الذي يحن إليه الكثيرون.
















































وسط بيروت : خزانة ذكريات اللبنانيين و مساحة للتسامح و العيش المشترك
 

عبدالخالق الكوتاري

::مراقب مغربي ::
طاقم الإدارة

غير متصل
#2
رد: مدينة بيروت : خزانة تاريخ لبنان و مدينة التسامح و التعايش

روعة وجمال ياخذ بالالباب رغم صغر مساحة عاصمة بلاد الارز
الله يجازيك بخير اخ ياسر دائما سباق لحلاوة الابداع
 
أعلى