محطات من تاريخ مدينة سلا

عبدالخالق الكوتاري

::مراقب مغربي ::
طاقم الإدارة

غير متصل
#1


لقد مرت مدينة سلا بعدة حقب تاريخية. و قد شكل موقعها على الضفة الغربية لنهر أبي رقراق و على شاطئ المحيط الأطلسي على الدوام من المدينة نقطة جذب مهمة. حيث أثبتت الدراسات الأركيولوجية بموقع المدينة أن الوجود البشري بها يعود إلى ما قبل 160000 ألف سنة.

وفي القرن السادس قبل الميلاد، أنشأ القرطاجيون مراكز للحراسة على الشاطئ الأطلسي من بينها واحدا بسلا بغرض حماية الحركة التجارية.

بعد ذلك ، و في القرن الرابع قبل الميلاد، أقام الرومان و بالموقع الحالي لشالة "مستوطنة سلا" بمكان كان حينها محتلا من طرف الفينيقيين.فأصبحت سلا بعدها مرفأ مزدهرا إلى نهاية الإمبراطورية الرومانية.

و في سنة 670م ، وبعد نهاية التواجد الروماني، بدأت فترة الفتح الإسلامي بقيادة عقبة بن نافع.إلا أن المؤرخين يرجعون تأسيس المدينة إلى القرن الحادي عشر، من خلال تمكن بعض الأمراء الأندلسيين التابعين للأمويين بغرناطة من الاستقرار بسلا و ذلك بغرض مواجهة البرغواطيين. و قد بدأت عملية التأسيس للمدينة من خلال بناء قصر و مسجد على الضفة اليمنى لنهر أبي رقراق، و أصبت سلا بعدها عاصمة لبني يفران الذين امتدت مملكتهم من أبي رقراق إلى تخوم مدينة فاس.

و بعد مجيء المرابطين و انتصارهم على بني يفران من تأمين مصب أبي رقراق و ذلك من خلال بناء حصن بالموقع الحالي لقصبة الأوداية ، مما مكن من توفير الظروف المناسبة لتطور المدينة. و هكذا، و من القرن 11 إلى القرن 12 ، أصبحت سلا مدينة مزدهرة ، شاركت بنشاط في الحركة التجارية لغرب المتوسط من خلال البضائع الفلاحية ( القمح- العسل- الشمع- الجلود...) و المصنوعات اليدوية خاصة الزرابي و منسوجات الصوف و القطن.

كما عرفت ساكنة المدينة تنوعا من خلال عدة روافد بشرية ( الأمازيغ من برغواطيين و زناتيين – عرب الأندلس – ثم التونسيين الفارين من الحفصيين ثم الموريسكيين الفارين من محاكم التفتيش.

و قد تميزت هذه الفترة كذلك ببناء مسجد الشعبة من طرف السلطان المرابطي يوسف بن تاشفين، و بناء مسجد الجمعة الكبير ، و حي الطالعة و قسم من أسوار سلا و قنطرة خشبية تربط بين مدينتي الرباط و سلا من طرف الملوك الموحدين.

و نظرا لموقعها الاستراتيجي ، أصبحت سلا مسرحا للمواجهة بين الموحدين و المرينيين. و في سنة 1269 م و تحت الضربات المختلفة لخصومها، انتهت الدولة الموحدية بالسقوط. فتم احتلال سلا من طرف الأسبان.

و بمجرد مجيئهم عمل المرينيون على تحرير المدينة من يد الأسبان. و زودوها بتحصينات دفاعية تمثلت في تعلية أجزاء من أسوارها و بناء ميناء داخلي محصن مرتبط بالنهر بواسطة قناة و الذي يمكن الولوج إليه عبر باب المريسة.

و بذلك أصبت سلا أهم ميناء أطلسي بالمغرب إلى غاية القرن 18. كما تمتعت سلا بورش بحري و معدات (دار الصنعة) جعلت منها العاصمة الثانية للدولة.

وفي القرن 14 شيد المرينيون مجموعة من المؤسسات الثقافية و الاجتماعية من بينها المسجد المريني و المدرسة العجيبة و زاوية النساك. في نفس الوقت الذي أنشؤوا فيه قناة ممتدة من عين البركة (الفوارات حاليا) و ذلك لضمان تزويد ساكنة المدينة بالماء الشروب.

و من القرن 14 إلى القرن 17 عرف المغرب تدهورا على مستوى البلاد كلها في حين بقيت سلا المرفأ الوحيد على الأطلسي الذي حافظ على بعض الأنشطة الثقافية و الاقتصادية.

و بعد معركة الملوك الثلاث ( واد المخازن) و غزو بلاد السودان ، أصبح المغرب ، بعد توحيده من طرف السعديين، مستقلا و في مأمن من الاعتداءات و الأطماع الخارجية. و قد كان السلطان أحمد المنصور من أمر بتنظيم موكب الشموع.

و في سنة 1610، قام ملك إسبانيا، فليب الثالث، بطرد المسلمين بما فيهم أولائك الذين أعلنوا اعتناقهم للمسيحية.و هكذا تم استقبال حوالي 300 عائلة بمدينتي الرباط و سلا. بعد ذلك سينطلقون في غارات للقرصنة من أجل الانتقام و مواصلة المواجهة.

وقد عرفت المدينة بشقيها سلا القديم و سلا الجديد عدم استقرار سياسي بسبب الاحتكاك بين مختلف الطوائف و الأطماع المتولدة عن مداخيل عمليات القرصنة.

و في سنة 1661، تمكن السلطان العلوي مولاي إسماعيل من وضع حد لهذا الوضع وبتنظيم القرصنة ، كما قام بتمديد و إصلاح قنوات الماء و زود المدينة بالعديد من النافورات.

إلا أن أهم قرار سيميز تاريخ سلا هو إحداث ميناء الصويرة (موكادور) سنة 1765م، مما قلل من أهمية ميناء سلا و الذي كان يعتبر حينها واحدا من أهم موانئ المغرب في تلك الحقبة نظرا لأهمية حجم عمليات التصدير و الاستيراد التي كانت تتم من خلاله و بدوره في حركة الجهاد البحري ما بين القرن 15 و 16.

أما فترة الحماية (1912-1956) فقد تميزت بنقل عاصمة المملكة إلى الرباط. و قد قام الجنرال اليوطي باستدعاء المهندس بروست فصد إعداد تصميم تهيئة للعاصمة الجديدة للبلاد.و قد ركز هذا التصميم على الاستجابة لحاجيات الإدارة المدنية و العسكرية الجديدة للمستعمرين ، مما أدى إلى تهميش مدينة سلا. و هكذا تحولت سلا من طرف الإدارة الفرنسية، من مدينة تجارية كما تشهد بذلك أسواقها و مراكزها الثقافية إلى مجرد ضاحية للعاصمة الجديدة.

وبعد الاستقلال، عرفت سلا نموا ديموغرافيا مهما بسبب أمواج الهجرة المتعددة التي نتجت عن تطور العاصمة الرباط كقطب إداري و جامعي جديد. و هكذا، بدأت سلا في التوسع خارج أسوارها.
 
أعلى