فيروس إيبولا في غينيا : الجميع يخشونه و القليل يتخذون تدابير الوقاية

مغربي

::مؤسس الموقع ::
طاقم الإدارة

غير متصل
#1
في وقت رفع فيه المجتمع الدولي درجة التأهّب لمواجهة فيروس "إيبولا" القاتل إلى أعلى مستوياتها، ورغم تواتر القمم معلنة عن دخول العالم بأسره في أزمة صحية جراء التهديدات التي يشكّلها الانتشار المحتمل لهذا الوباء، لا تبدو على الغينيين ملامح الاهتمام بهذا الموضوع، بل إنّ الكثير منهم لم يكلّفوا أنفسهم عناء تغيير نمط حياتهم اليومية اتقاء لإصابة محتملة بالمرض، وإنما يواصلون عيشهم على ذات الوقع الرتيب، رغم أنّ بلادهم تعتبر أحد أضلع مثلث انتشار المرض في غرب أفريقيا، إلى جانب كلّ من ليبيريا وسيراليون.. هم يخشونه كغيرهم من البشر، لكن القليل فقط منهم من يتّخذ التدابير الوقائية اللازمة تحسّبا من الإصابة بهذه الحمى النزفية القاتلة في 90 % من حالات الإصابة بها.



الانتشار السريع لفيروس إيبولا في غرب افريقيا جعل الجدل القائم بشأن هذا الوباء يحتلّ عناوين الصحف ووسائل الإعلام المختلفة.. فمع بداية ظهوره في غينيا كوناكري، في مارس/ آذار الماضي، تحوّل هذا الملف إلى واجهة الاهتمام المحلي، خشية تفاقم حالات الإصابة به، وتصدّر أيضا الاهتمام الدولي تحسّبا من عبوره لحدود الدول الأكثر تضرّرا، وتسرّبه من بلد إلى آخر عبر العدوى. ففي المجموع، لقي 932 شخصا مصرعهم في كلّ من غينيا وليبيريا وسيراليون، بحسب أحدث البيانات المطروحة من قبل المنظمة العالمية للصحة.

وأن يكون بلد ما مهد انتشار المرض من شأنه أن يبعثر إحداثيات الحياة اليومية لسكانها فيها.. غير أنّ الحدث نفسه لم يكن ليورث الغينيين أكثر من مشاعر الخوف الواضحة.. غير ذلك، لا يبدو سكان كوناكري على استعداد للتخلي عن نمط حياتهم السابق، أي قبل ظهور إيبولا، وذلك رغم الرقم المخيف الذي تبثّه يوميا وسائل الإعلام المحلية والدولية عن وفاة 363 غينيا جراء فيروس إيبولا، بينهم 30 قضوا في العاصمة كوناكري.

قلّة اكتراث الغينيين بمخاطر الوباء تنبع بالأساس من ندرة حملات التوعية في البلاد، وذلك سواء على مستوى وسائل الإعلام المختلفة، أو الملصقات واللافتات في الشوارع.

في إحدى وكالات تحويل الأموال بـ "تاوويا" (من ضواحي كوناكري)، ورغم الاحتكاك بحزم الأموال الضخمة المكدّسة هنا وهناك، لم يلحظ مراسل الأناضول وجود أي غسول لغسل اليدين قبل وبعد تبادل الأموال.

مشهد لا يختلف كثيرا في معظم الأماكن العامة أو مؤسسات الخدمات في العاصمة الغينية.. كما أنّ سائقي سيارات الأجرة الصفراء ما يزالون متشبّثين بعفوية قد تكلّفهم حياتهم.. أفواج من الركاب تملأ سياراتهم كلّ يوم، ويصافحونهم بأيديهم، ويتلقّون منهم الأجرة، دون استخدام قفازات للوقاية من عدوى محتملة لفيروس إيبولا.

داخل مبنى نقابة سائقي الحافلات بمحطة "ماتام"، كان صوت مولّد يزوّد المكان بالطاقة اللازمة صاخبا إلى درجة مثيرة للقلق.. وغير بعيد عنه، وعلى واجهة أحد الجدران، برزت قطعة من "الورق المقوّى" ارتسمت عليها كلمات تشير إلى أنّ حملة التوعية التي اقترحتها منظمة غير حكومية محلية انتهت منذ بعض الوقت..

"سيكو عمر كيتا"، المكلّف بالشؤون الاجتماعية صلب النقابة أوضح للأناضول أنّ "التدريب استهدف السائقين على وجه الخصوص، لأنه حين يتمكّن المرض من أحد الركّاب ولم يكن لديك أي تدريب، لا يمكنك مساعدته".

وحذّر "كيتا" قائلا "لكن لا يكفي القيام بهذا التدريب فحسب"، مضيفا، دون تقديم توضيحات بخصوص هذا التدريب "ينبغي تعميمه على كافة أرجاء البلاد، وعلى جميع الزملاء الذين لم يتسنّ لهم الحضور".

في حي شعبي بمنطقة "كوسا"، ّإحدى ضواحي دكار، انكبّ صاحب محلّ بقالة صغير، يدعى "ألفا أمادو ديالو" على تصفيف قوارير معبّأة بمحلول التبييض على إحدى الرفوف المعدنية.. كانت حركة يديه تمضي بانسجام تام، غير مكترثة بحالة الحماس المفاجئ التي اعترته وهو يتحدّث إلى مراسل الأناضول "لو كانت لدي الموارد اللازمة، لاشتريت المزيد من هذا المحلول، لأنّ الناس يقبلون على شرائه".

وأضاف، مشيرا بإصبعه إلى القوارير المصطفة على الرفوف "عادة ما يتم استخدام هذه الزجاجات الصغيرة في قتل الجراثيم التي تتكاثر في الأنابيب، أمّا الآن، فتستعمل لمكافحة الوباء".

وفي حرم جامعة جمال عبد الناصر بدكار، غمرت أمطار أغسطس/آب الغزيرة معظم قاعاتها، وهو ما أجبر مجموعة من طلبة الطبّ، تجاوز عددهم العشرين، على قضاء عطلتهم وهم يراجعون مكتسباتهم في غرفة مظلمة.

أحد الطلبة، ويدعى "سا بوبولينو" قال في تصريح للأناضول "في البداية، أبدى الناس اهتماما وحذرا كبيرين (حيال فيروس إيبولا)، ولكن مع تراجع الحمى نوعا ما، أهملت الأسر اتّخاذ التدابير الوقائية اللازمة".

وأضافت زميلة له تدعى "شانتال كومدجو"، كانت تجلس غير بعيد منه، مصغية باهتمام إلى كلام زميلها "السكان لم يحصلوا على المعلومات الكافية بشأن هذه التدابير، ولهذا فهم لا يتصرّفون على النحو المطلوب أو الذي يفرضه السياق الحالي.. ينبغي على الحكومة اتخاذ الخطوات اللازمة لنشر المعلومة قبل كلّ شيء، لأنّ ما يحدث بعد ذلك هو نتاج بديهي للأساس الذي تبنى عليه الأشياء".

وفي سوق "يمبايا"، إحدى ضواحي كوناكري، امتنعت صاحبة أشهر محل لبيع لحوم الطرائد من الإجابة عن سؤال طرحه مراسل الأناضول بشأن خلو المحلّ من لحوم الطرائد.. الصمت ذاته طغى على معظم تجار السوق.. بدا أنّ لفظ كلمة "إيبولا" من المحرّمات في ذلك المكان، ونطقها قد يجلب اللعنة، ويبعد الرزق عنهم.. هكذا فضحت النظرات الواجمة والخوف المتدفّق من الأعين ما عجزت ألسنتهم عن نطقه.



السلطات الغينية لم تدرك، من جانبها، خطورة الوضع الصحي الذي يتهدّد سكانها جراء فيروس إيبولا، إلا في أعقاب اجتماع طارئ لبلدان اتحاد نهر "مانو"، والذي انعقد في كوناكري، وإثر القمة الأفرو- أمريكية، والمنتظمة في أوائل شهر أغسطس/ آب الجاري بواشنطن. صحوة شبه مفاجئة، جعلت الحكومة تتجه نحو عزل المناطق الحدودية بواسطة قوات الأمن، قبل أن تقوم بإرسال مجموعات هامة من معدات الوقاية ومكافحة الفيروسات إلى المناطق الأكثر تضررا في البلاد.

جملة من التدابير الرامية إلى تطويق انتشار الوباء، غير أنها تبقى محتشمة إلى حدّ ما، كما أنها لم تفلح في منع بعض البلدان من وضع غينيا على لائحة "الحجر الصحي"، على غرار المملكة العربية السعودية، والتي حجرت الحج هذه السنة على المواطنين الغينيين، خشية انتشار فيروس إيبولا.
 
أعلى