عبد الرحمن الداخل: صقر قريش أول حاكم أموي للأندلس

sharif

::عضو جديد::

غير متصل
#1
اليوم موعدنا مع احد ابرز الشخصيات في التاريخ الإسلامي صقر قريش عبد الرحمن الداخل الأمير الاموي الذى هرب من الشام وحيداً شريداً مطارداً بعد سقوط الخلافة الاموية ودخل الاندلس وحده بلا عدد ولا عده ليحيى دولة الخلافة الأموية في الأندلس بعد زوالها في الشام على يد العباسيين ويرسي فيها دولة قوية بعد ان كانت تعانى من انقلابات واضطرابات مستمرة فأسس دولة دامت لعقود طويلة ووقفت في وجه الممالك المسيحية في الاندلس ليجسد قصة إراده لا تقهر وعزم كالجبال ولكن كيف فعل ذلك؟ هذا ما سنعرفه اليوم هو عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك الأموي المعروف بلقب صقر قريش وعبد الرحمن الداخل والمعروف أيضًا في المصادر الأجنبية بلقب عبد الرحمن الأول


1625631_257720057720550_423186843_n.jpg

ولد عبد الرحمن بن معاوية عام 113 هجرية ونشأ يتيماً فقد مات أبوه شاباً فتربى في بيت الخلافة الأموي وكان جده يؤثره على بقية إخوته حتى وفاته ولما اعلن لعباسيين دعوتهم وبدأ القتال بينهم وبين الامويين وهزم الامويين وبدأت دولتهم في الانهيار، وبدأ العباسيون تعقب كل رجال الامويين بالقتل، ألا أن عبد الرحمن أفلت وأوى إلى بعض الأدغال حتى أمن، وبدأ رحلة هروب طويلة عبر فيها الحجاز ومصر وليبيا والقيروان قاصداً المغرب، فبلغ إفريقية فألح عاملها (عبد الرحمن بن حبيب الفهري) بطلبه، فانصرف إلى مكناسة وقد لحق به خادمه بدر بنفقة وجواهر كان قد طلبها من أخت له ثم تحول إلى منازل نفزاوة وهم من البربر، وأمه منهم فأقام فيهم مدة يكاتب من في الأندلس من الأمويين، ثم بعث إليهم خادمه بدر فأبلغوه طاعتهم له، وعادوا به إلى قرطبة، وبدأت فصول قصته الكبرى .

10_05_17_01_14_ew.jpg

كانت الأندلس في حالة من الفوضى والانقسام، تغلي بسبب النزاعات المتواصلة بين القبائل المضرية واليمانية، وكان لبني أمية فيها الكثير من المريدين، والمحبين من غير بني أمية من القبائل الأخرى المختلفة، وكانت الأندلس أصلح البلدان لاستقباله ؛ لأنها أبعد الأماكن عن العباسيين، وحين دخلها بدأ على الفور في تجميع محبي الدولة الأموية، ومع ذلك لم يجد العدد كافياً بحيث يستطيع به أن يغير الأوضاع، فاستمال اليمنيين الذين كانوا على خلاف مع يوسف الفهري حاكم الاندلس، فقبلوا أن يتحدوا معه، وكان على رأسهم أبو الصباح اليحصبي، وكان المقرّ الرئيسي لهم إشبيلية، وهي المدينة الكبيرة التي تعدّ حاضرة من حواضر الإسلام في ذلك الوقت، وأرسل عبدالرحمن إلى يوسف بن عبد الرحمن الفهري، عدة رسائل يطلب وده وأن يسلم له الإمارة ويكون الفهري رجلاً من رجاله في بلاد الأندلس، بحكم أنه حفيد هشام بن عبد الملك من رموز الخلافة الأموية، لكن الفهري رفض، وجهز جيشاً ليحارب عبد الرحمن بن معاوية ومن معه، والتقى الجيشان في موقعة كبيرة عُرفت باسم موقعة المصارة. ودار قتال شرس بينهما وخلال المعركة أشيع بين الجنود أن عبد الرحمن يركب جوادًا سريعًا للفرار به وقت الهزيمة، فلما بلغ عبد الرحمن هذا الكلام ترك فرسه في الحال وركب بغلاً ضعيفًا كي يقنع جنوده بأنه لن يولي ظهره للأعداء، وبعد انتصاره، دخل عبد الرحمن إلى قرطبة، وأدى الصلاة في مسجدها الجامع حيث بايعه أهلها على الطاعة.


26952.jpg


بعد هزيمة يوسف الفهري والصميل وفرارهما، توجه يوسف إلى طليطلة وحشد منها ما استطاع من أنصاره، وتوجه الصميل إلى جيان وجمع فيها أنصاره ومؤيديه. ثم اجتمعت القوتان وتوجهتا إلى إلبيرة وقد نجح الداخل في هزيمتهم مرة أخرى بعد العديد من الاحداث، فطلبا الصلح على أن يعترفا بإمارته، وأن يؤمنهما على النفس والمال والأهل، وقد قبل عبد الرحمن وتم الصلح بين الفريقين، لم يمضِ عام حتى حاول أنصار يوسف السابقون حمله على الثورة فهرب إليهم، ولما علم عبد الرحمن بهربه أتبعه ودارت بينهما معركة، انهزم فيها يوسف، وتفرق من معه وفر إلى طليطلة ليحتمي بها فأدركه عبد الله بن عمر الأنصاري قبل طليطلة بأربعة أميال فقتله وبعث برأسه إلى عبد الرحمن الداخل. الذي أمر بقتل عبد الرحمن بن يوسف المعتقل لديه، وقتل جميع أنصار يوسف الفهري لتبدأ صفحة جديدة من تاريخ الأندلس .



وأستطاع الداخل إخماد الكثير من الثورات والانقلابات التي سعت لاسقاط دولته، فقد كان أهل الاندلس وحكامها معتادون على ذلك وتحكمهم عصبية الجاهلية فإنتمائهم الأول للقبيلة وليس للدولة وهذا ما سعى الداخل لتغيره بحيث يكون الانتماء للدولة لتزدهر وتنمو وتثبت أركانها لك ان تتخيل ان عدد الثورات التي قامت على حكم عبد الرحمن الداخل قد فاق العشرين ثورة نجح في اخمادها جميعاً مثل ثورة هشام بن عروة الفهري وثورة سعيد اليحصبي في لبلة وثورة أبي الصباح اليحصبي الذي نقم من عبد الرحمن أن عزله عن ولاية إشبيلية وكذلك قد ثار البربر بزعامة رجل يقال له شقيا بن عبد الواحد المكناسي كان معلمًا للصبيان، ولقى مصير من سبقوه .


58.jpg

بعد ان واجهه هذه الثورات لسنوات طويلة , استطاع عبد الرحمن الداخل أن يسيطر على الأوضاع في بلاد الأندلس وثبتت إمارته لها وعُرفت تلك الفترة بفترة الإمارة الأموية، التي تبدأ من سنة 138 وتنتهي سنة 316 وسميت إمارة لأنها أصبحت منفصلة عن الخلافة الإسلامية، سواء كانت في عصر الخلافة العباسية أو ما تلاها بعد ذلك من العصور إلى آخر عهود الأندلس.
أتبع عبد الرحمن الداخل سنة أسلافه من الأمويين في نظام الحكم، فاتخذ حُجّابًا ولم يتخذ وزراء. واحتفظ دومًا بمجموعة من المستشارين، أغلبهم ممن استقبلوه وناصروه في بداية عهده وقاتلوا معه، كما ظل حلم التوحيد يراود الداخل، لذلك قرر وضع خطة من أجل تحقيق حلمه وبالطبع في هذا الوقت كانت الأندلس بها الكثير من المشاكل التي جعلتها تقترب إلى الإنتهاء، فأصدر قرار بأن أي شخص يمني و حجازي يتشاركون معاً في عمل سوف تساعدهم الدولة في نجاح هذا المشروع وسوف تعطي لهم أرض لإقامته، وقدم الكثير حتى تمكن في النهاية من توحيد شعب الأندلس. لم يكتفى بهذا بل أراد أن يعيد إلى الأندلس مكانتها القوية في كل شيء لذلك أهتم بتقوية الجيش الذي كان الدعامة التي ساعدته على السيطرة على مقاليد الأمر طوال حكمه، فبلغ جيش عبد الرحمن الداخل مائة ألف جندي إضافة إلى حرسه الخاص الذي بلغ أربعين ألفًا من الموالي والبربر. كما أنشأ في أواخر عهده عددًا من قواعد بناء السفن واهتم بالعمل و الثقافة و ساعد العلماء وليس هذا فقط بل أهتم أيضاً بالعمارة و أنشاء الكثير من المساجد .




توفي عبد الرحمن الداخل في 24 ربيع الآخر عام 172 هـ وترك من الولد أحد عشر ولدًا منهم سليمان وهو أكبر ولده، وهشام والمنذر ويحيى وسعيد وعبد الله وكليب ومن البنات تسع. وقد دفن في قصر قرطبة بعد أن صلى عليه ولده عبد الله وخلفه من بعده ولده هشام الملقب بهشام الرضا بعهد من والده، رغم أن أخاه سليمان كان أسن منه ولكنه كان يري هشام اقدر بحمل الأمانة .
أستمر حكم عبد الرحمن الداخل أربعة و ثلاثون عاماً ، فعل فيهم الكثير من الإنجازات مات وعمره تسعةً وخمسين عاماً، قضى منها في دمشق ، تسعة عشرة عاماً، وقضى في تخطيطه لدخول الأندلس، وفِراره من العباسيّين ستَّ سنوات، وقضى آخر سنوات حياته الأربع والثلاثين في حُكْم الأندلس ، يجمع المؤرخون انه لولا عَبْد الرَّحْمَن الدَّاخِل لأنتهى الإسلام من الأندلس بالكامل، وإنا لتعلونا الدهشة ويتملّكنا العجب حين نعلم أن عمره وقت ان تمكن من حكم الاندلس لم يتجاوز الخامسة والعشرين عامًا، أي في سن خريج الجامعة في العصر الحديث.



images.jpg

كان صقر قريش شخصية تُشخِص الأبصار وتبهر العقول فمع رجاحة عقله وسعة علمه كان لا ينفرد برأيه فإذا اجتمعت الشورى على رأي كان نافذ العزم في تطبيقه ومع شدته وحزمه وقوته كان شاعرًا محسنًا رقيقًا مرهف المشاعر مجيدًا للشعر ومع هيبته عند أعدائه وأوليائه إلا أنه كان يتبسط مع الرعية ويعود مرضاهم ويشهد جنائزهم ويصلي بهم ومعهم، ومع كونه شديد الحذر قليل الطمأنينه فلم يمنعه ذلك من معاملة الناس والاختلاط بهم حتى خاطبه المقربون في ذلك وأشاروا عليه ألا يخرج في أوساط الناس حتى لا يتبسطوا معه .
كان عبد الرحمن الدَّاخِل خطيبًا مفوها يرتقي المنابر ويعظ الناس فهو كما نعرف نشأ في بيت الإمارة، وهكذا الأمراء في ذلك العصر أما عن صفاته فقيل أنه كان أصهب، خفيف العارضين، بوجهه خال، طويل القامة، نحيف الجسم، له ضفيرتين كثير الكرم، عظيم السياسة، يلبس البياض وافر العزم والدهاء والحزم والصرامة وقد جُسدت شخصية عبد الرحمن الداخل في مسلسل يحمل عنوان “صقر قريش” واشترك فيه نخبة من ألمع نجوم الدراما السورية , وهو عمل اقل ما يقال عنه انه فائق الروعة وكنز حقيقي من كنوز المسلسلات العربية.
 
أعلى