رمال وادي الحياة .. !! رواية .


غير متصل
#1
1



مُنذ سنين طويلة ورجال وادي الحياة في شقاقٍ وفُرقةٍ وتمزّق ، فكل رجل ذهب حيث رَغِب وارتَضى ، وباتَ الناس بالوادي يتصارعون في هوس وقرْف ، وقد شبَّ وليد يافعاً طيباً ، يُحب الخـير ، ويَسعى لأجـل إسعاد المُحيطين به.
وفي ريعان شبابه يَمَّم وجهه شطر صحراء الوادي التي كان يُحبُّها مُنذ طفولته ، ويخلو بنفسه بين رمالها الساحرة ، كُلما ضاق ذرعاً بهوس رجالات قريته الوادعة ، يستأنس بسهولها وأوديتها ، يرقب شمسها وهي تغوص في قلب الرمال ، يُؤمل نفسه بالعودة إليها :
- هذه الرمال لا شك أنها صاخبة بالحكايات القاسية.
يتبع > ....
( بقلم الكاتب حمد الناصري.. سلطنة عُمان )
 

غير متصل
#2
رد: رمال وادي الحياة .. !! رواية .

2

وذات مرة قرر أن يُسافر إلى صحراء بعيدة ، تبعد عن قريته كثيراً ، فقد أخبره أحد الرجال بالوادي يوم أن ألْتقاه ظهيرة يوم شديد الحرارة :
- هذه الصحراء عظيمة، يُحيطها غموض عميق، فالذي يَصلها يُعتبر رجل مُهاب ، عنيد ، ذا جبروت وقوة شامخة كالجبال ، إنها رمال قاسية ، تسكب الشمـس أشعتـها الحارقـة في الوجوه بلا مُبالاة ، فتعمِّق الصَلد في الوجوه الطبيعية .
قال وليد وهو ينشغل بحك رأسه قليلاً.
- لماذا .؟!
- لأنّ رمالها قاسية وأمكنتها ظلفية وأوديتها قَفر..نهاراتها جافة مُوحشة ولياليها مُظلمة ، تُفتت الأكباد .هكذا ، يُعرّفها العارفون ..كما لو كانتْ سيئات الشر قد قستْ على أمكنتها.
- يأ إلهي.. ألا تعتقد بأن رجالها ، سبباً رئيساً في شدّتها , أَولا يكون بالأمر ثِمّة قسوة عليها ، أولسنا نحن البشر مسئولون عمَّا تقترفه أحوالنا وينعكس ذلك على أمكنتنا .!
 
#3
رد: رمال وادي الحياة .. !! رواية .

بالفعل ادلا ذلك الشاب الوليد بكلمات الحق مختصرها....

بـــ{يأ إلهي..ألا تعتقد بأن رجالها سبباً رئيساً في شدّتها أَولا يكون بالأمر ثِمّة قسوة عليها أولسنا نحن البشر مسئولون عمَّا تقترفه أحوالنا وينعكس ذلك على أمكنتنا}

وهذه جزء من الأسباب التي تبين ظلم الإنسان ووحشيته وجبروته على أخيه الإنسان.


وتقبل فائق تحياتي .. و أسمحلي على التأخير بالمداخلهـ

وسلامي على أهل عمُان الطيبين

 

غير متصل
#4
رد: رمال وادي الحياة .. !! رواية .

بالفعل ادلا ذلك الشاب الوليد بكلمات الحق مختصرها....


بـــ{يأ إلهي..ألا تعتقد بأن رجالها سبباً رئيساً في شدّتها أَولا يكون بالأمر ثِمّة قسوة عليها أولسنا نحن البشر مسئولون عمَّا تقترفه أحوالنا وينعكس ذلك على أمكنتنا}

وهذه جزء من الأسباب التي تبين ظلم الإنسان ووحشيته وجبروته على أخيه الإنسان.


وتقبل فائق تحياتي .. و أسمحلي على التأخير بالمداخلهـ

وسلامي على أهل عمُان الطيبين
شكرا لك اخي ع انتقائك بعض الفقرات .. طاب يومك
 

غير متصل
#5
رد: رمال وادي الحياة .. !! رواية .

3
نظر الرجل في وجه وليد وقد اشتدّت في نظرته الصَّلابه :
- لا أعتقد ذلك ..لأن الرجال القائمون على معرفتها ، يدّعون بأن بها كهوفاً وأودية موحشة ، صارخة مُرعبة ، ليلاً أو نهاراً ، ناهيك عن قتامتها التي تهز الروح في سكناتها .
لم يَهتز وليد للكلمات التي لفظها الرجل، بل أزداد رغبة وهِمّة وقال:
- حدثني عنها أكثر ..فإنني أتشوّق إلى الولوج إليها . وأَتُوق بصبر لا أحتمله ، فقد أثارت فضولي .
- ولكني أخشى عليك .!!
- لماذا ؟ أو تظنني صَغيراً ..أم بلغت من الكِبَر عِتيَّا ..! أطمئن ، سأسير وفق منهج الأولين وسأتعلّم الكثير من خلالها .. إن الصحراء مدخل للتفكّر في الحياة والناس ، كما قال جدي .
- نعم ..فأنت رجل صَلْدٌ رائع في اهتماماتك ..بعيدٌ في نظرتك ..بالغ القوة ، ساطع المكانة ـ سحب نفساً ـ ولكن الأمر، غير ذلك، فسكانها يُدعون بأصحاب الوجوه البشعة نظراً لكلاحة وجوههم الملتهبة.
تمتم وليد بكلام مُبهم وكأن حِماسته فترت عنه :
- تُرى ، أ، في الأمر صعوبة وقسوة ، أما تعتقد أن العارفون بها ، يُهوّلون من أمر قساوتها .
- لا ليس هذا ولا ذاك ، فلربما يكون أمرها صحيحاً ، فلربما ـ أيضاً ـ أن الطبيعة ، قذفت بأشباحها إلى وجه الرمال ، فاستوت شرارة غضبها ملامح بشعة ، فانشطرت الملامح القاسية إلى حياة ..ورمال ..ومن البديهي أن تتحول إلى أشياء غامضة..كالتي تكلّم عنها العارفون ، ملامح الرجال البشعة ، وقساوة الرمال ، وصعوبة الوصول إليها ، والحياة الموحشة عليها .. وانشطار شرارتها ، التي بفعْلها تكوّنتْ بقيا وجهها الغامض .
قال وليد بصوت، مليء بالشك:
- إنه أمر فضيع، وغاية في التعقيد، لو كان الرجال ملامح من وجهها الغامض.أو هُم بقايا وجْهها القاسي . فعلى الأقل ، يحدث تكويناً لملامح على غرار تلك التحولات الغامضة .. مثال ، قسوة انشطار الملامح ، تكون الرجال بقايا وجهها الغامض ولم تكن الرمال هي وحدها بقايا وجهها الغامض .. فالغموض يشمل الاثنين معاً، دون إحداث قسوة هنا، وغموض هناك.. فالتأثير البيئي في منظومة الحياة أقوى من التأثير السلوكي . كلاهُما يُؤثر في الأخر والأغلب يكون للمكان .. على عكس الإنسان فقوة التطور والتحديث لديه أقوى من قوة تطور المكان سواء أكان بانشطارها بفعل التقادم أو بفعل قوة العوامل المسيطرة عليه ، فالحياة بالنسبة لهم مَطلب ، فلماذا تتحوّل الأمكنة إلى التغيير بينما الرجال لا يستجيبون إلى هذه التحولات .. أنا أعتقد أن البشر أقدر على التغيير أكثر من صلابة وقسوة الحياة على هذه الصحراء, فالدهشة هنا غير مؤثرة، طالما من يمتلكها هو الإنسان. وما عليكم إلاّ أن ترصدوا هذه التحولات، لتروا في النهاية أن هناك عالم آخر فوقي مؤثر على سلوكنا وحياة طبيعتنا، سلباً أو إيجاباً بل تنعكس هذه القوة، تحولاً أو دهشة على طبيعة الحياة. فالماء بالوادي هو المتحرك وهو أقوى مؤثر على الرمال وكذا بالنسبة للإنسان على أمكنته .
- وهل بوسعك فِعْل شيء من أجل الرمال .؟!
- أجل ..فأنا أملك صِفَة الإِصْرار، أهْوى العبث الحقيقي ذلك العبث الذي لم يتوَصَّل إليه الرجال.
- أنت لا تزال شاباً غِراً، قليل التجربة وأخشى أن يفهم الرجال بأنك تهدف إلى تشويه حقائق الحيـاة.
- نعم .. قد يكون ذلك صحيحاً، لكني أخوض تجربة، قدرها صُنع قَدَرٍ كبير من الانتماء إلى الحياة.. فلا ينقص هذا من خصوصية جدي الكبير.. ولا أراني مُضيعاً لما أسّسه من حياة لهم .. بل أراني ، أجد عبثٍ مُشوّهٍ في واقع هذه الرمال ، مِمّا يزيدها وَهْجاً تتصدَّع منها الثوابت الراسخة . إنني أعدهم بأن تبقى القرية آمنة . إنني أعتقد أن فهم أحوال الرمال جزء من أحوال الناس .
- أهذه شجاعة .. أم فلسفة .! " قال الرجل "
- على الإنسان أن يجد في ذاته الشجاعة، فأنا لا أحب أن أرى في الحياة، إنساناً واحداً، مُهدداً غير مستقر..إنّ كُل ما يجري حولنا، يدفعُنا بعيداً عن تفاهات رجال الوادي..لذلك فإنّ ضُرورة التغيير بعيداً عن حياة الناس التي ألفوها ضُرورة لتمهيد الحياة الكونية التي سوف تنظر إلى ما هُم فاعلون. " قال وليد بنفس مشحونة بقوة الإصرار "
يقترب الغريب من وليد ويهمس في أُذنيه، مُتمنياً له حياة طيبة، وأسر إليه كلاماً غريباً، سُر به وليد.. فجأة، غاب عن ناظريه.
قال وليد في نفسه :
- يا إلهي، أهناك حقيقة شُوّهتْ.. أم هناك غفلة من الرجال تحتاج إلى قوةٍ وحزر . أوخليقٌ بهذه الرمال بأوديتها وثوابتها الراسخة أن تحل الظلمات مكانها . هزّ رأسه .. وسرتْ قشعريرة في جسده .. فانتفض .. يا إلهي ساعدني .. كيف أُصدق بأن الحياة باتساعها، تكون عبثاً.. أو تكون خُرافة ..! "مدّ ناظريه بعيداً. وبدا كأنه يَسْتلهم بُعداً جديداً . وحرك جسده واعتدل في جلسته .. عليّ أنْ أجتاز هذا الغُموض الذي يبدو أن الرجال رأس خرافته الحمقاء.!يمَّم وليد وجهته شطر الرمال التي أضحت جزءاً من حياته ووجدانه .وعلَلّ إبتعاده أنه يسعى لإكتشاف الخطوط الغامضة التي تحيط بالوادي..وقال:إنني لا أكاد أُصدّق بأن الحياة باتساعها البعيد مجرد عبث.. بل أنني أكاد أجزم بأن الرجال رأس الحماقة المجنونة التي قادتهم إلى حياة العبث السخيف فَشُوهتْ الحقيقة بأكملها.!
قال وقد رفع ناظريه إلى السماء ثم أخفضها، سأظل أكافح شُعور اليأس الذي طغى بعفويته عليّ، ريثما أجد ولو بصيصاً من أمل.فالغُموض يجتاح شُعوري القوي، والرغبة لدى جامحة، فواقع الحال القاسي يُنذر بالعزوف مبكراً عن الحياة، فأن أَشْقَى بنفسي أفضل من أن يَشْقى بَقِيّة الناس.
قال كبيرهم باستهزاء:
- قُل ماذا تعني ..عَلَّنا نستطيع مُشاركتك .!؟
- عندما اقتربت من الرمال الجرداء شعرت بإنتشاءة غير عادية ، دغدغت روحي ، فسحر رمالها دفعني إلى المزيد من التغلغل في أعماقها ، واندفعت إلى أقصى ما استطعت ، فأسكنني هواءها وأرهبني ظلامها ومشيت ..وعندما انتبهت اكتشفت بأني مازلت واقفاً ، فجلست ، لكيْ تطمئن روحي .! إنه شُعور أيقض في نفسي، مجاهل السكون.. إنها رمال آمنة .. يبدو على أمكنتها الجفاف. وحتى نطمئن عليها ، ينبغي أن نبذل الكثير لاستقرار الأوضاع بالوادي، وخلق حياة صالحة وطريقة جديدة للتعامل مع الناس ..فالسلوك الإنساني مَطلب للجميع، والأمان حِماية وضماناً لحياة الآخرين .. فالتجاوزات المصحوبة بالفوضى غير مرغوبة، ذلك أن التجاوز يجد تجاوزاً آخر..وهذا بدوره يُؤدي إلى حياة مليئة بالقلق والخوف، فهموم الناس جزء من الحياة فإن خسرتم الرجال،خسرتم الكثير..فالمصالح جزء من المسئولية التي يجب أن يَعيها كل فرد مسئول عن هموم الآخرين .
تحلّقتْ مجموعة من الشباب يتجادلون في انفعال ، فقال أحدهم :
_ صَدق وليد .. فإني أرى أنّ حُريّة الناس مفقودة ..فقد علمت في السِّير الأولى للرجال في الرمال البعيدة منها أو القريبة.أنه من أقدس الواجبات .. "أن يُكافح الإنسان في سبيل حُرية الآخرين، لتبقى الطمأنينة حياة من دون تعبٍ أو مشقّة"
رد آخر بإبتسامة :
ـ فالإنسان له كرامة ، مذ أن يُولد حتى نهاية حياته ..لكن الكثيرون لا يخشون عاراً ، فالاحترام والحب واجبان للجميع ، وعلى الفرد أن يَتطهّر من جشع الفردية والأنانية الهوجاء ، كيْما يشعر المغلوبون بلذة الانعتاق بالحرية ، وبالكرامة الإنسانية .
قال ثالث :
ـ ولكن عاداتنا وما ألفناهُ من كِبارنا، أساس حياتنا ..وما الحياة التي تتَحدَّث عنها إلا بقايا ما ألزَمَ آباءنا أنفسهم به منذ مئات السنين..فهل نُغيّر عاداتهم وما وجدناهُ من موروث ونتعاطف معه بطريقة سهلة .!
اقتحم رجل على المجتمعين وقال :
- رائع جداً ما تُفكّر به ، ابحث عن أُناسٍ غيرنا، يقعون ضحايا تجربتك .. ليس لدينا ما نقوله لك ، سوى ان هولاء الضحايا بعيدون كل البُعد عَمّا تفكّر فيه ، ولن تصل إلى أفهامهم ، فبأي حديث بعده ترغب أن تصل بتجربتك هذه ..! إن نصيحتي لك ، أن تأتي بشيء آخر تُحرك سكون أفكارنا .. فالرجال يا ـ سيد وليد ـ قد لا تصل إلى أفهامهم إذا بقيت ملتزماً بهذه الأفكار الهوجاء ..! إن موروثنا لن تستطيع أن تنال منه شيئاً ، وسيبقى على رفعةٍ وشأناً في نفوسنا .. فهل لك أن تخبر الحاضرين من رجالنا بأنك، تستحق أن تكون " مجنون هذه القرية " ! قُل لهم ولا تخجل من أفعالك .. قل لهم أنك تحتقر ما ألفوهُ من ماضي أجدادهم وقُل لهم ـ أيضاً ـ. أنك تنوي أن تغيّر نظام سيادتهم، فيكون خادم القوم كالسيّد في نظام حياتهم، يتساوى مع الرجال والأسياد.!
قال كبير الرجال وكأنه لانَ حيث وليد :
- كيف بكَ أن تُلغي عادات وتقاليد من الصعب علينا التخلّي عنها..فالرجال خبروا حياتها وعاشوا في خضمّ مفاهيمها، وعليكَ ياـ ولدي ـ أن تُثبت لنا أحقية الحياة الجديدة، التي جئتَ بها.. بدليل قوي وقطعي الدِّلالة ، تُلغي كلَّ هذه السنون المتعاقبة من الحياة.!
ضحك المُتحلقون حوله في استهزاء وسُخرية من إدعاءات وليد وبحديثه عن جديد الرمال .! وما ينوي فِعله وتغييره في أحوال الرجال ونظام حياتهم.
قال وليد بهدوء وعينه على الرجل الكبير :
- لَن أفعل ماظَننتُه فيَّ ..فأنا لست باحثاً عن الشُّهرة، ولن أبحث..فأنا كبيرٌ بصغيرهم إذا نوى ..وضعيف بكبيرهم إن اتّبعتَ هواه ..إنَّ أشد ما نخشاه أن يعيق الرجال ثورة البحث، فالقَلق والخوف همّان بائسان!!.
قال رجل ذا مَقْربة من وليد :
- اعتقد أن الرغبات لا تَخلق قاعدة، ما لمْ تُصَاحبها عزيمة.. وما عليك، إلاّ أن تُحدد شكل العلاقة، حتى لا تَخلق الرغبات زخماً في تبديد العلاقة المتصلة بالقاعدة.
رَنَا وليد بنظره إليه وقد أسْكن طَرَفُه . ثم رفع بصره إلى السماء المُمتدة في غسقٍ رمادي، وبدتْ النجوم في غسقها نائية بعيدة، كأنّما ترتفع إلى بُعدٍ أعلى، وأعلى.. وتبتعد عن الرمال شيئاً فشيئاً .

الكاتب : المرتاح حمد الناصري
 
أعلى