الهجرة في رمضان : طريق مسلمي بوروندي نحو السكينة والأمن

مغربي

::مؤسس الموقع ::
طاقم الإدارة

غير متصل
#1
جمعة، شاب بوروندي أراد أداء صلاة التراويح بمنأى عن أيّ تهديدات تستهدفه، في ظلّ أعمال العنف التي تعيش على وقعها العاصمة بوجمبورا، منذ اندلاع الأزمة السياسية والأمنية في البلاد، قبل أكثر من عام، فكان أن اضطرّ لتغيير مكان إقامته طمعا في الظفر بسكينة روحية تتلاءم مع الشهر الكريم.

جمعة تخلى عن منزله في حيّ "سيبيتوك" بالعاصمة، هربا من دوريات الشرطة، ليستقر في "بيت صغير في الشارع الثامن من الحي نفسه قبالة المسجد"، على حدّ قوله للأناضول، مشيرا أنه تمكن "من أداء جميع الصلوات والتفرغ التام للعبادات"، وذلك منذ انطلاق شهر رمضان في السادس من يونيو/حزيران الجاري.

أمثال جمعة من المسلمين ممن يقطنون هذا الحي كثيرون، وقد انخرطوا في موجة تغيير مساكنهم بمناسبة حلول شهر الصيام، في عملية نزوح قصيرة المدى أو نهائية من أجل غاية وحيدة تتمثل في قضاء الشهر الفضيل في كنف السلام، بينهم أفراد عائلة يوسف القاطنة في الشارع الرابع من "سيبيتوك" والتي خيرت الاستقرار "المؤقت" في الشارع السابع، أي مباشرة خلف المسجد.

تغيير "مؤقت" للبعض و"نهائي" للبعض الآخر، على غرار كريم هذا الشاب المسلم الذي قرر قبل يومين من انطلاق شهر رمضان مغادرة منزله الكائن في حي "موساغا" جنوب بوجمبورا، معقل الاحتجاجات الشعبية الرافضة لولاية الرئيس بيير نكورونزيزا الثالثة، ليستقر في حي "بويزا "الهادئ" وسط العاصمة، على حدّ وصفه.

قرار برّره كريم بأنّ "حي بويزا يعتبر الأكثر هدوءا في العاصمة، إضافة إلى أنه الثاني من حيث تعداد المسلمين بعد بوينزي في بوجمبورا".

كريم ويوسف وجمعة أجمعوا على أنّ "الهجرة" هي "الوصفة المثالية" لقضاء شهر الصيام بعيدا عن العنف ومشاهد الدماء التي لا تنتهي، وإلى جانب بقية مسلمي بوروندي، خصوصا من سكان العاصمة الذين رأوا في تغيير سكناهم "حلاّ عمليا" لمجابهة خطر انعدام الأمن.

وتجنّبا للضوضاء الناجمة عن تواتر أعمال العنف في أجزاء كثيرة من أحياء العاصمة، إختارت العديد من العائلات البوروندية المسلمة التجمع في باحة مسجد الحي، في وقت الإفطار لتقاسم الطعام قبل أن يتوجّه أفرادها، في وقت لاحق لأداء الصلاة. أجواء منحت شهر رمضان لهذا العام مذاقا خاصا خلّصه من ثقل الأزمة، بحسب رجب، أحد أولئك المتجمعين في المساجد هربا من مشاهد القتل اليومية في العاصمة.

وأضاف للأناضول أنّ "هذا القرار لم يمكنهم من التجمع والإحساس بالأمان فحسب، بل منحهم فرصة تقاسم الطعام مع الأشخاص الأشد فقرا".

رأي تشاركه فيه زوجته عليمة، والتي قالت بابتسامة واسعة إنّ "مشاركة الإفطار مع ذلك العدد الكبير من الناس يشكّل في حدّ ذاته متعة كبيرة بالنسبة لي، ويعزّز في أنفسنا مشاعر التضامن والتآخي، وهذا ما يدعو إليه الإسلام".

"سكينة" و"راحة نفسية" لم تنعم بها منذ فترة تلك الحشود المتجمعة في باحات المساجد للإفطار، في ظلّ العنف الذي أضحى من يوميات العاصمة وبقية مناطق بلد يشكّل فيها المسلمون أقلية لا تتعدّى الـ 5 % من إجمالي سكاني يقدّر بنحو 10 ملايين شخص، بحسب بيانات رسمية.

من جهته، لفت عيسى، أحد مسلمي بوجمبورا الذين انتقلوا بجوار مسجد لقضاء شهر رمضان، أنّه يوجد، في المقابل، عدد من المسلمين ممن لازموا منازلهم خلال الشهر الفضيل، رغم أنها في أحياء تعتبر معاقل الإحتجاجات الرافضة لولاية الرئيس بيير نكورونزيزا الثالثة، سبب الأزمة الراهنة في البلاد، إما "عجزا عن فعل ذلك، أو أنهم لم يفكّروا أصلا في الإنتقال بعيدا عن مراكز التوتر في المدينة"، بحسب موسى، أحد سكان حي "موساغا".

عيسى أشار أنّ الوصول إلى المساجد، وخصوصا في الليل يعدّ مجازفة غير محمودة العواقب، إضافة إلى صعوبة تنظيم إفطار جماعي عقب آذان المغرب، أو التجمّع لتناول السحور، علاوة على حالة الخوف المستمرة المطبقة على أنفسهم وهم في طريقهم نحو المسجد، ما يطرح إشكالا بالنسبة لمسلمي الكثير من أحياء العاصمة.

"صلواتنا الليلية تقطع بسبب انفجار قنبلة يدوية أو اطلاق للنار"، يتابع عيسى بأسف، "ولقد تسبّب هذا الوضع في نفور العديد المسلمين من الصلاة في المنازل، وأجبرهم على ملازمته خصوصا في الأوقات المتأخرة من الليل".

عبدول، مسلم آخر يقطن بحي "نياكابيغا" في قلب العاصمة بوجمبورا، أعرب من جهته عن أسفه لصعوبة إلتقاء المسلمين وتجمّعهم للإفطار خلال الشهر، بعكس ما كان عليه الحال قبل اندلاع الأزمة".

وأكد للأناضول، أن " المسلمين في السابق كانوا يحرصون على التجمّع للإفطار ومساعدة الفقراء منهم على الحصول على وجبة كافية من الطعام عقب يوم طويل من الصيام".

وفي تعقيب على كلامه، قالت زوجته عائشة: "كل من يجرأ على الخروج في المساء يمكن أن تعتبره الشرطة من المجرمين".

واقع دفع بعدد من أئمة المساجد إلى إيقاف الصلوات التي تقام في الليل بشكل مؤقت. ففي حي "بوتيريري" شمال بوجمبورا، حيث توجد 5 مساجد، لم يفتح سوى اثنين منهم أبوابهما لاستقبال المصلين في الليل،، بحسب شهادات متفرقة لبعض سكان الحي للأناضول.

ورغم حالة الهدوء "النسبي" التي شهدتها البلاد، في الأشهر الأخيرة، إلا أن العديد من أحياء العاصمة لا تزال تعيش على وقع احتجاجات رافضة لولاية نكورونزيزا الثالثة، تتخلّلها هجمات بالقنابل اليدوية، إضافة إلى تواتر حالات الاختطاف والتدخل العنيف للشرطة، مثل ما يحدث في أحياء "موساغا" جنوب بوجمبورا، و"نياكابيغا" و"جابي" (وسط العاصمة)، علاوة على "سيبيتوك" و"ماتاكورا" و"بوتيرير" و"نغاغارا" (شمال).

وأمام جملة هذه التحديات، دعا الحاج هارون نكندويغا، أحد ابرز قادة المسلمين في بوروندي إلى ضرورة التضرع إلى الله من أجل عودة السلام والأمن إلى البلاد وإلى منطقة البحيرات الكبرى عموما.

وتشهد بوروندي تصاعد أعمال العنف منذ أبريل/نيسان 2015، على خلفية الإعلان الرسمي لترشح نكورونزيزا لولاية ثالثة يحظرها دستور البلاد، ورفضتها قوى المعارضة. ورغم إعادة إنتخابه في يوليو/ تموز الماضي، إلا أنّ ملامح الأزمة لا تزال مطبقة بثقلها على البلاد.

وبحسب أحدث التقارير الصادرة، في السادس من يونيو/ حزيران الجاري، عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فقد أسفرت الأزمة البوروندية منذ اندلاعها، عن سقوط أكثر من 700 قتيل، وأجبرت ما يزيد عن 280 ألف شخص على مغادرة البلاد.
 
أعلى